أزمة صامتة في النمسا.. الإفلاس يهدد 8 آلاف وظيفة وسط تراجع حاد في خطط الإنقاذ المالي

النمسا ميديـا – فيينا:

بدأ الاقتصاد النمساوي يظهر علامات متباينة بين الاستقرار والخطورة خلال النصف الأول من عام 2026، حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن اتحاد حماية الدائنين في جبال الألب (AKV) يوم الأربعاء 8 يوليو 2026، عن تراجع في إجراءات إفلاس الشركات المفتوحة بنسبة 7.69% لتصل إلى 2,005 حالات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إلا أن هذا التراجع الظاهري يخفي خلفه أزمة أعمق تتمثل في انفجار طلبات الإفلاس المرفوضة بسبب نقص الأصول بنسبة 15.42% لتصل إلى 1,654 حالة، نظراً لعدم امتلاك تلك الشركات حتى لمبلغ 4,000 يورو اللازم لفتح الإجراءات القانونية، وهو ما يهدد قرابة 8,000 وظيفة في البلاد، مدفوعاً بتبعات الركود الاقتصادي وأزمات العقارات السابقة التي بدأت تلقي بظلالها أيضاً على قطاع الإفلاس الشخصي للأفراد.

الارتفاع الحقيقي لحالات الإفلاس والشركات “الأكثر فقراً”

أوضح التقرير التحليلي لاتحاد (AKV) أنه عند دمج طلبات الإفلاس المرفوضة لعدم وجود أصول كافية مع الإجراءات المفتوحة، فإن العدد الإجمالي لحالات الإفلاس يرتفع في الواقع بنسبة 1.5% ليصل إلى 3,659 حالة خلال النصف الأول من العام الحالي، وبمعدل يصل إلى 77 شركة تفلس أسبوعياً في النمسا، ويرى الخبراء أن هذه الشركات أصبحت “أكثر فقراً من أن تُعلن إفلاسها رسمياً”، مما يعكس تدهوراً حاداً في السيولة النقدية لدى قطاع الأعمال.

انهيار معدلات إعادة الهيكلة المالية وضياع حقوق الدائنين

سجلت عمليات إنقاذ الشركات وتطبيق خطط إعادة الهيكلة (Sanierungsplan) تراجعاً مقلقاً، حيث انخفضت النسبة إلى 20.95% فقط من الإجراءات المختتمة، مقارنة بنحو 26% في العام السابق، وفي المقابل، ارتفعت نسبة الإجراءات التي تنتهي بنتيجة صفرية (Nullquote)، والتي يخرج منها الدائنون دون الحصول على أي جزء من مستحقاتهم، من 27.49% إلى 33.02%، وأرجعت التحليلات ذلك إلى افتقار الشركات بشكل متزايد للموارد المالية اللازمة للاستمرار وتمويل خطط الإنقاذ، كما تبين أن أكثر من نصف الحالات (57.11%) افتُتحت بناءً على طلبات من الدائنين، مما يشير إلى تجاهل أصحاب الشركات لواجبهم القانوني في تقديم طلبات الإفلاس بأنفسهم.

تراجع الالتزامات المالية الكبرى واستمرار أزمة القضايا الضخمة

على الرغم من استمرار الأزمة، انخفض إجمالي الالتزامات المالية (الديون) لشركات الإفلاس بنسبة 39.46% ليبلغ 4.64 مليار يورو، بعد أن شهدت السنوات الماضية انهيارات كبرى في قطاع العقارات مثل مجموعة Signa والتي رفعت الديون القياسية إلى 22.3 مليار يورو في عام 2024، وجاءت أكبر قضية إفلاس في النصف الأول من عام 2026 من نصيب مؤسسة Laura Privatstiftung بمطالبات بلغت 1.7 مليار يورو (اعتُرف منها بـ 32 مليون يورو حتى الآن)، تليها شركة Georg-Coch-Platz Immobilien GmbH بـ 320 مليون يورو، ثم شركة LL-resources GmbH بـ 130.7 مليون يورو والتي لا تزال تقاتل لاعتماد خطة إعادة هيكلة.

آلاف الوظائف في مهب الريح وتفاوت إقليمي حاد

أثرت قضايا الإفلاس بشكل مباشر على العمالة، حيث كان هناك 7,951 موظفاً يعملون في الشركات المتضررة لحظة افتتاح إجراءات الإفلاس، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 5.09%، وكانت شركة WOLLSDORF LEDER SCHMIDT & Co. GmbH الأكثر تأثراً بفقدان الوظائف (361 موظفاً)، تليها شركة EITEK GmbH بـ 319 موظفاً. ومن حيث القطاعات، تصدر قطاع البناء المشهد بـ 471 حالة إفلاس، يليه قطاع التجارة بـ 460 حالة، ثم المطاعم والضيافة بـ 368 حالة. أما جغرافياً، فقد سجلت تيرول أعلى تراجع في الإفلاس بنسبة 29.32%، بينما شهدت فورارلبرغ قفزة دراماتيكية بنسبة 51.11%، تليها شتايرمارك بزيادة بلغت 12.79%.

موجة جديدة تضرب الأفراد ومدراء العقارات السابقين

لم يتوقف الأمر عند الشركات، بل امتدت التداعيات إلى الأفراد، حيث ارتفع إجمالي حالات الإفلاس الشخصي بنسبة 4.8% ليصل إلى 4,718 إجراءً، مدفوعاً بانهيار الشركات العقارية في السنوات الماضية، إذ واجه المدراء والشركاء السابقون تفعيل كفالات وضمانات شخصية وصلت في بعض الحالات إلى 100 مليون يورو للشخص الواحد، وأدى ذلك إلى انفجار إجمالي الديون الشخصية لتصل إلى 830.7 مليون يورو، وارتفاع متوسط دين الفرد إلى 176,000 يورو، مع ملاحظة أن متوسط ديون الرجال شق طريقه إلى 219,700 يورو مقارنة بـ 101,000 يورو للنساء. وسجلت المقاطعات زيادة واضحة في الإفلاس الشخصي تصدرتها النمسا العليا بنسبة 16.27% والنمسا السفلى بنسبة 12.76%، بينما سجلت كارنتن وفيينا تراجعاً طفيفاً.

التوقعات المستقبلية لعام 2026

يتوقع اتحاد (AKV) أن يصل عدد إفلاس الشركات الإجمالي بحلول نهاية العام إلى أكثر من 7,300 حالة (بما يشمل الطلبات المرفوضة)، فيما قد يتجاوز الإفلاس الشخصي حاجز 9,000 حالة ليعود إلى مستويات ما قبل الجائحة في عام 2019، وحذر الاتحاد من أن ضعف النمو الاقتصادي والتقلبات السياسية العالمية لا تبشر بانفراجة قريبة، إلا أن نقطة الضوء الوحيدة تمثلت في نجاح 66.54% من قضايا الإفلاس الشخصي في الوصول إلى خطة سداد تمنح المتعثرين فرصة ثانية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى